نوبات تدفق وجفاء الكتابة

كُتب بواسطة: | تاريخ النشر: 20 مايو, 2014 | تعليق واحد

Writing_is_an_art_by_Modelerina

 

ترجمة: ريما السبيعي – قسم الترجمة

من الأشياء العجيبة في ممارسة التدوين الإلكتروني، أن بإمكان الكاتب مشاهدة عدم انتظام الوقت الذي يقضيه في الكتابة، وفي الإلهام، و في حماسته الشخصية أيضا.
كل تلك الشواهد تصبح أشد وضوحا عندما ينقطع الكاتب عن الكتابة لفترة طويلة. والأشد غرابة، أن الكاتب لا يعي تماما الآلية التي يستمد منها قدراته وطاقاته الكتابية.

كمدون، لم أستطع إدراك الأسباب التي تمنعني عن الجلوس خلف الشاشة، وكتابة مقطع قصصي جديد، أو كتابة مسودة لمقال خططت لكتابته منذ زمن ولم أفعل؛ لتعطل قدراتي الكتابية، ولوجودي خارج المنزل في عطلة نهاية الأسبوع لثلاثة أسابيع متتالية.
أستطيع اختصار حالة جفاء الكتابة لديّ بأنها استهلاك للذات.
كما أن استعادة النشاط للكتابة؛ يتطلب التوقف عنها فترة معينة.

الملَكة الكتابية التي تستقر في مكان ما في الدماغ فيما وراء الوعي، وتزدهر بخليط غير محدد من الراحة، والروتين اليومي، وقراءة الكتب، والنقاشات اللفظية، والمنافسة، ومواعيد التسليم الصارمة، قد تتعرض للجفاف المؤقت. ولاشك أن الأشخاص أصحاب الأعمال الخلاّقة و الإبداعية يألفون حالة الجفاء هذه، وما يعاكسها من نوبات تدفق الطاقة الإيجايبة المفاجئة.

كتب “إيمرسون” في مقالته (Circles):
“النوبات المزاجية التي نتعرض لها، لا ترتبط ببعضها البعض. فاليوم أفكاري مزدحمة وأستطيع كتابة ما أريد، ولا أجد أي مبرر لماذا لا أستطيع المحافظة على هذا المزاج العالي في الكتابة، و القدرة العالية على التعبير عن أفكاري ليوم أخر. ما أكتبه اليوم يبدو لي كأمر فطري دون سواه، بينما في الأمس لم أرَ إلا الفراغ الكئيب في نفس الاتجاه الذي أكتب فيه.
اليوم، وبعد شهر تقريبًا، قد تجدني أتساءل من الذي كتب كل هذه الصفحات بترابط لافت؟!”
من الجيد لو كان بالإمكان مراقبة مستوى الطاقة الإبداعية، ومعرفة كيف يتم استرجاعها للمستوى المطلوب في حال انخفاضها.

في هذا المقام، أعتمد على ذاكرتي في رواية مقولة حكيمة قيلت لي منذ سنتين، في إحدى مقاهي لندن.
كنت حينها أخربش بعض الأفكار في مذكرتي الشخصية، وتشّكل لدي انطباع بأن المرأة التي كانت تشغل الطاولة المجاورة، هي امرأة تمتهن الكتابة. تلك المرأة كانت “ميشيلين ووندر” Michelene Wandor، التي قامت بكتابة دراسة مهمة في مجال صناعة الكتابة الإبداعية بعنوان “الكاتب لم يمت، مجرد مكان آخر” The Author Is Not Dead, Merely Somewhere Else.

بدأنا في مناقشة نوبات تدفق وجفاء الكتابة،وأجابت الكاتبة بأن الكتابة من المفترض أن تكون نشاطًا اجتماعيًا. و ذكرت الكاتبة أنه من المفترض أن يكون للكتابة وظيفة اجتماعية ذات غرض أشمل، وفي حال تم تجاهل هذه النقطة، ومعاملة الكتابة على أنها شأن شخصي بحت؛ فإننا ككتاب نصبح مهووسين – لا إراديا – تجاه هذه المَلَكة.
نحن الكتّاب نتصور بأن كمية المادة الكتابية المنجزة هي المقياس الوحيد لدبيب الحياة في أرواحنا، وتصبح نوبة “جفاء الكتابة” لدينا حالة “كارثية “. لكن في الحقيقة، يجب أن تكون الكتابة كأي ممارسة أخرى، ذات تدفق وإيقاع وتفاعل مع متغيرات الحياة، وقد تتطلب بعض الأحيان مرحلة استشفاء.
كما ذكرت ميشلين ووندر بأنه لا أحد يُفترض منه أن يستمر في الكتابة بشكل يومي؛ وبالتالي فإن عطلة نهاية الأسابيع الثلاثة التي ذكرتها سابقا، لم تكن – تحت هذا التفسير – بعيدًا عن الكتابة، بل كانت جزءً من أنشطة الحياة الأخرى.

التفكير في نوبات تدفق وجفاء الكتابة يذكرّني بما أنجزته مؤخرا، فقد قمت بالانتهاء من كتابة فصل كبير في رواية جديدة، يبلغ عدد صفحاته 150 صفحة، والذي سأعرضه على أحد الزملاء، وربما على وكيل أعمالي.
كما قمت بصياغة فكرة جيدة عن الفصل التالي في الرواية ذاتها، حيث يبدو ذلك بالنسبة لي أمرًا مثيرًا للغاية.

ربما يكون الوعي لدي سيئًا أيضًا فيما يتعلق بتحديد الكمية الكافية من الكتابة في فترة معينة، ولربما تكون المَلَكة الخلّاقة لديَّ، أكثر حكمة مني في احتفاظها بإحتياطاتي الكتابية نضرة لمشاريع التدوين الضخمة.

المصدر: http://incompetentwriter.com/2014/03/30/writing-cycles-writing-funks

الوسوم: , , , ,

التصنيف : المدونة

التعليقات (تعليق واحد)

  1. العزوف عن الكتابة أمر مزعج جداً ، في فترات سابقة كانت الفكرة تتسلل الي ثم تتبعها جمل متلاحقة لا أجد بداً عنها سوى بالكتابة ، الأمر مختلف في الفترة الأخيرة لعدة شهور الافكار شحيحة والجمل ضيقة وقصيرة وتنتهي عند كتابة أول سطرين ..
    هذا النص ممتع جداً وعندما قرأته قلت في نفسي هذا مزاجي ، هنا أجد تلك اللذة في الاسلوب البسيط المتحرر والجيد مع الأصالة في ذات الوقت ..
    شكراً لك

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *